thanks GOD

where there's a will there's always a way...

مفهوم الشخص

 
 
المجزوءة الأولى :  الوضع البشري
تقديم المجزوءة الأولى
إن الحديث عن وضع" الإنسان في الوجود،هو حديث عن تقاطع مجموعة من الشروط والأسباب والأبعاد: منها ما يتعلق بالإنسان كشخص،أي العلاقة بالذات،ومنها ما يتعلق بالغير،أي العلاقة مع الآخر,
إن نظرتنا إلى الإنسان باعتباره شخصا،تجعله ذاتا منظورا إليها من عدة زوايا( أخلاقية،قانونية،ميتافيزيقية )ولذلك يتميز عن الشخصية .فالشخص personne مشتق من الأصل اللاتيني persona ،وهي تحيل على القناع الذي يستعمله الممثل المسرحي،مما يعني أن مفهوم الشخص مرتبط بالدور الذي يؤديه في المجتمع.أما الشخصية فلها معنى سيكولوجي،ومن ثم فهي تحيل على البنيان النفسي الذي يميز الأفراد بعضهم عن بعض.وإذا كان الشخص يتحدد بالدور الذي يقوم به ،فهل يستمد قيمته من ذلك الدور ؟ وهل هو حر في اختيار دوره أم أنه يخضع لحتمية ما تفرض عليه السير وفق مقتضيات ومستلزمات خارجة عن إرادته ؟
أما نظرتنا إلى الإنسان في علاقته بالغير،فتظهره كمرآة تعكس الشبيه والمماثل وأحيانا أخرى المختلف والمتباين.فالآخر المختلف والغريب أحيانا هو أيضا آخر بشري،إنه الأنا الذي ليس أنا حسب تعبير سارتر.فكيف نقدر هذا الآخر ونعتبره : هل هو خصم وعدو ننبذه ونقصيه ،أم هو صديق نقتسم معه إنسانيتنا ؟ كيف نفهم هذا الآخر ونتعرف عليه أبالحوار معه أم بإدراك وجوده الضروري لوجودنا أيضا ؟ بمعنى آخر هل المرور عبر الآخر ضروري لتكوين الوعي بالذات ومعرفة خصوصيتها ؟
                                       المفهوم الأول : الشخص
يحيل مفهوم الشخص في اللسان العربي على معاني البروز والظهور والعظمة،وفي اللسان الفرنسي،فـإن كلمة شخص Personne مشتقة من كلمة Persona اللاتينية والتي تعني القناع الذي يضعه الممثل على وجهه حتى يتقمص الدور المنوط به على خشبة المسرح .
إذن فكلمة شخص ترتبط أحيانا بالقناع الذي يختفي وراءه الإنسان،مما يجعل هذا اللفظ مرادفـا لما هو بعيد عن الواقع.كما يشير معنى الشخص إلى الذات الإنسانية ككينونة مسئولة أخلاقيا وقانونيا وإجتماعيا عن كل ما يصدر عنها من أفعال .
إذن، إزاء هذا التنوع والإختلاف في تحديد المعنى الدلالي لمفهوم الشخص،يحق لنا طرح التساؤلات التالية :
ما هو الأساس الذي تقوم عليه هوية الشخص ؟ وهل هذه الهوية تبقى تابثة رغم التغيرات الحاصلة ـ زمانيا ومكانيا وفيزيولوجيا ... ـ أم أنها خاضعة للتغير والتحول ؟
ثم كيف تتحدد قيمة الشخص ؟ هل من زاوية الفكر الذي يتمتع به ؟ أم من زاوية الجانب العملي الأخلاقي ؟ أم من ماذا ؟ ...
وأخيرا هل الشخص حر فيما يصدر عنه من أفعال وسلوكات ...أم أنه خاضع لحتميات وضرورات قد تكون اجتماعية،نفسانية،اقتصادية...
المحور الاول : الشخص والهوية
الإطار الإشكالي  : يتعرف كل شخص على ذاته،ويدركها بوصفها 'أنــا' تميزه عن غيره وتكسبه ماهيته وهويته،لكن صعوبة تحديد هذه الهوية فتح الباب لطرح بعض التساؤلات : ما هو الأساس الذي تقوم عليه هوية الشخص ؟ وهل هوية الشخص تابثة أم متغيرة ؟ 
موقف ديكارت  إن الموقف الديكارتي بخصوص الإشكال السالف الذكر لم يخرج عن نطاق فلسفته العقلية المؤمنة ايمانا مطلقا بالعقل والرافضة بالقطع لشهادة الحواس التي اعتبرها حاجزا يقف أمام المعرفة " ومن الحزم ألا نتق البتة تمام التقة في الذين خدعونا مرة واحدة " ¹  .
إن وجودي كذات حسب ديكارت رهين بالتفكير ومرتبط به وقد يحصل أنني متى انقطعت عن التفكير تماما،انقطعت عن الوجود بتاتا″².  فالتفكير شرط الوجود وهو أساس هوية الشخص، إذ يعتبر مناسبة لحضور الذات أمام نفسها وإدراكها إدراكا مباشرا.
إن ديكارت يؤكد على هذه الفكرة من خلال الكوجيطو"  أنا أشك،أنا أفكر،أنا موجود" إذ حاول التماس وجود الذات / الأنا من شيء آخر أو رد هذا الوجود إلى شيء آخر لن يكون حسب ديكارت إلا الفكر .
فالإنسان هو الكائن الوحيد القادر على ان " يشك،ويفهم ويتصور،ويثبت وينفي،ويريد ويتخيل،ويحس أيضا وهي كلها أفعال نابعة من التفكير التأملي الذي يميز الكائن الإنساني ، وعليه فأساس وجودي كشخص له هوية مميزة هو العقل .
موقف ج.لوك إن الحديث عن لوك يقودنا للحديث عن المدرسة التجريبية التي بنت فكرها على التجربة المستقاة من العالم الخارجي عبر شهادة الحواس لأن العقل يولد مع الإنسان وهو عبارة عن صفحة بيضاء نملؤها باحتكاكنا بالعالم الخارجي .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ مقال عن المنهج،ترجمه وشرحه وقدم له ، محمود الخضيري،كلية الآداب ،القاهرة ، ص 33 .
2 ـ التأملات، ترجمة عثمان أمين،مكتبة الانكلومصرية،الطبعة الثانية،1974، ص 103  
3 ـ نفس المرجع

قبل الحديث عن هوية الشخص يؤكد لـوك على ضرورة تحديد ما تحمله كلمة شخص من معنى ،إذ يعتبر أن الشخص كائن مفكر وعاقل،قادر على التعقل والتأمل وعلى الرجوع إلى ذاته باعتبارها مطابقة لنفسها،وأنها نفس الشيء الذي يفكر في أزمنة و أمكنة مختلفة . وهذا تأكيد منه على أن هوية الشخص تظل ثابتة رغم تغير الزمان والمكان،لكن وسيلته في ذلك كله هو الشعور الذي يعتبره مرتبطا بالتفكير ولا يقبل الانفصال عنه .
إذن فأساس هوية الشخص هو الشعور الذي يكون للشخص عن أفعاله الخاصة وتجاربه الحسية،وهو كما مر معنا مرتبط بالفكر مما يخلق لديه وعيا متعاليا عن كل المتغيرات لأنه يحفظ ويستقر في الذاكرة التي هي امتداد لهذا الوعي في الزمان والمكان .
وتأسيسا على ما سيق فالوعي النابع من الشعور والذي يحفظ في الذاكرة هو من يبقي هوية الشخص موحدة ومستقرة وثابتة رغم المتغيرات اللاحقة .
موقف لاشوليي  ينطلق لاشوليي في إطار الجواب عن الإشكال السالف من سؤال مفاده أن الهوية التي ننسبها لأنفسنا،هل تفترض بالضرورة أن فينا عنصرا ثابتا وحقيقيا ؟
ليؤكد أن الوقائع  تفند هذه الفرضية،فالنوم كمتغير عارض يفصل بين أنانين ،الأنـا العاقل والأنـا المتخيل الذي يتبخر عندما يستيقظ الإنسان. كما أن ما تتعرض  له ذاكرتنا ) جراء ضربة على الرأس مثلا( يخلق هوة بين أنـا اليوم وأنـا البارحة،وكذلك بعض  المرضى الذين لديهم أنـا أول وأنـا آخر،فمثل هذه الحالات،أو قل مثل هذه المتغيرات،لها تأثير على عدم ثبات هوية الشخص.
ولتجاوز هذا الاستشكال والحفاظ على ثبات الهوية أي تطابقها مع ذاتها وتميزها عن غيرها رغم مظاهر التحول والتغير، يجب الحفاظ على الوحدة النفسية للشخص عبر مراحل حياته.
وهذه الوحدة النفسية المؤسسة لهوية الشخص تقوم على مبدأين : وحدة الطبع أو السمة العامة للشخصية في مواقفها وردود فعلها اتجاه العلاقة مع الآخرين، والذاكرة التي تعد الرابطة بين حاضر الشخص وماضيه القريب والبعيد ..
لقد انطلق ديكارت من العقل وعَدَه’الأساس الذي تقوم عليه هوية الشخص،في مقابل ذلك اعتبر لـوك أن الشعور هو الأساس والركيزة التي تقوم عليها هويتنا كأشخاص وهو مرتبط بالتفكير على نحو دائم،وما يضمن ثبات هويتنا حسب لـوك هي الذاكرة ،هته الأخير إضافة إلى دوام نفس الطبع أو المزاج هما ما سيعتبرهما لاشوليي الأساسان اللتين تقوم عليهما هويتنا والضامنيين لوحدتنا النفسية في الزمان والمكان . 

المحور الثاني الشخص بوصفه قيمة
الإطــار الإشكالي  :إن الشخص هو ذلك الكائن الوحيد الذي يعي ويعي في نفس الوقت انه  أنه يعي، وهو يتحدد باعتباره الكائن العاقل والمفكر القادر عل التعقل والتأمل والرجوع إلى ذاته ، والذي تنسب له مسؤولية ما يصدر عنه من أفعال وأقوال ... فهل يمكن اعتباره  مالكا لقيمة تميزه عن باقي موجودات العالم ؟ وكيف تتحدد هذه قيمة ؟ هل بمعاملته كغاية في ذاته  باعتباره ذاتا أخلاقية في تعامله مع الآخرين أم مجرد وسيلة أو شيء أو بضاعة يقوم بسعر؟ هل باعتباره ذات معزولة ومتعارضة مع الجماعة أم مكتملة ومتلاقية معها ؟ .
موقف كـانط :إن الإنسان حسب كـانط يعيش في الطبيعة باعتباره كائن غير ذي أهمية قصوى،فهو في نظام الطبيعة يشترك مع مجموع الحيوانات الأخرى في حمله لقيمة مبتذلة،لا أهمية له .
لكن حضور ملكة الفهم لديه تجعله يعلو على جميع الكائنات وتمنحه القدرة على تحديد غاياته بنفسه ،إلا أن هذه الملكة تمنحه قيمة خارجية نفعية ،فيعامل كوسيلة لتحقيق غاياته الذاتية أو غايات الآخرين.إن ملكة الفهم وإن كانت تنقل الإنسان من عالم الطبيعة إلى عالم الإنسانية،إلا أنه يعامل كوسيلة لا كغاية " الأمر الذي يؤدي بنا إلى القول إن الإنسان يقوَم بسعر وكأنه بضاعة" بضاعة داخل تجارة البشر، ( كما يحصل في بعض الإشهارات والإعلانات،إذ يتعامل مع الإنسان كجسد،كبضاعة ) مما يُسقط    قيمة الإنسان ويدخله عالم التفاضل ( تفضيل إنسان على آخر بالنظر إلى قيمته  "المادية " ) .
لكن عندما نتعامل مع الشخص بوصفه ذاتا لعقل أخلاقي عملي سنعتبره غاية في حد ذاته لا مجرد وسيلة، يستمد منه كرامته،أي قيمة داخلية مطلقة تتجاوز كل تقويم أو سعر.
ومادام هذا العقل شمولي وكوني فقد صاغ كـانط أمر أخلاقي مطلق مفاده " تصرف على نحو تعامل معه الإنسانية في شخصك، كما في شخص غيرك،كغاية دائما وأبدا،وليس وسيلة بتاتا ".فالإنسان يمكنه أن يتخذ من الأشياء وسائل يستخدمها لتحقيق أغراضه،لكن ليس من حقه أن يعامل الأشخاص كوسائل نفعية ذاتية،لأن الإنسان أو الذات البشرية هي غاية في ذاتها وليست وسيلة لتحقيق غايات الآخرين .وهذا ما يمنحه قيمة داخلية مطلقة ويكسبه احتراما لذاته ويمتلك بذلك كرامة إنسانية .
 إن كل فرد حسب كـانط تحمل في داخله الإنسانية جمعاء مما يستوجب احترامه ومعاملته كغاية لا كوسيلة،والنظر إليه باعتباره عينة تختزل الإنسانية جمعاء، وهذا الاحترام الواجب له من طرف الغير لا ينفصل عن ذلك الاحترام الذي يجب للإنسان اتجاه نفسه .   
موقف غوسدورف : لقد أكد غوسدورف أن فكرة استقلال الذات المفكرة لم تظهر في الفكر الإنساني إلا في وقت متأخر،خاصة مع ديكارت صاحب العزلة الأنطولوجية، مما يعني أن هذه التجرية ( تجربة العزلة والاستقلال ) لا تشكل الواقعة الأولى في الوجود،فالتفكير الإنساني منذ البدايات التاريخية الأولى كان منصبا على تحقيق التجمع والترابط بدءا بالأشكال البسيطة والأساسية لهذا وحتى الأشكال المركبة والمعقدة . فظهرت الأسرة ،العائلة ، القبيلة ،العشيرة ،الحارة ،المدينة ،الدولة ،الأمة ...حيث كانت هته الأشكال والتنظيمات بمثابة الضامن لاستمرارية الوجود البشري والفكر الإنساني .
" فالفرد " حسب غوسدورف يختلف عن الشخص الأخلاقي ،فهو يعتقد أنه امبراطور داخل عالمه الخاص الذي يكون دائما وأبدا في تعارض وتقابل مع العالم والآخرين ،فهو بمثابة بداية مطلقة ومستكف بذاته عن مجموع الذوات الأخرى .
وعلى خلاف ذلك نجد الشخص الأخلاقي المؤمن بالمشاركة والمتسلح بقيم الانفتاح واستقبال الغير المعتقد في وجوده النسبي الذي يدفعه للتكامل والترابط مع أقرانه...فالغنى الحقيقي " لايوجد في التحيز والتملك المنغلق ،كما لو كان بإزاء كنز خفي ولكن يوجد بالأحرى في وجود يكتمل ويتلقى كما يعطي ويمنح " .
فالكمال الشخصي لا يتحدد في مجال الوجود الفردي المستقل، بل يتحقق في مجال التعايش و داخل المجموعة البشرية، و انفتاح الذات الفردية على الكون و تقبل الآخر ،وهو الوحيد الذي يمنح للشخص قيمته الحقيقية .
نخلص في نهاية هذا المحور إلى أن القيمة الحقيقية للشخص تكمن من جهة في اعتباره ذاتـا لعقل أخلاقي عملي يحمل صفة الكرامة والمسؤولية والنبل الإنساني فهو غاية في حد ذاته لا مجرد وسيلة نفعية تنتهي قيمته بانتهاء هذه المنفعة ،ومن جهة أخرى فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه يعيش مع وفي كنف الجماعة يؤثر ويتأثر ،يعطي ويأخذ ، فهذه الحياة التشاركية هي ما يمنحه قيمة يعلو بها على باقي الكائنات الأخرى .
المحور الثالث : الشخص بين الضرورة والحرية
الإطـار الإشكالي :  الشخص هو الكائن الوحيد المميز بالعقل ،والقادر على تحديد غاياته الذاتية والمسؤول عن كل ما يصدر عنه ، كما أنه يعد جزءا من الجماعة وتربطه علاقات مع الآخرين ،فهل يعني ذلك أنه متمتع بحرية مطلقة في التصرف ؟ أم أن هذه العلاقة الإجتماعية ستٌعرِضه لنوع من الاستلاب بسبب القيود التي يفرضها المجتمع ؟ هل الشخص ذات حرة فيما يصدر عنه أم أنه محكوم بسلسلة من الحتميات تحدد سلوكه وتوجهه بكيفية لاشعورية أو عن طريق إكراهات مجتمعية ،سياسية اقتصادية ،ثقافية ...؟
لقد تعددت الرؤى و المواقف التي  تعتبر أن الشخص دائم الارتباط بمحددات وإكراهات ليست خارجية فقط بل إنها من صميم تكوينه الذاتي النفسي ،كما هو الحال مع مدرسة التحليل النفسي التي اعتبرت أن البناء الشخصي للفرد خاضع لضرورات لاشعورية لاواعية تشكلت وتحددت معالمها الرئيسية في سن مبكرة من حياة الشخص .كما ستبرز ضرورات وحتميات اجتماعية مرتبطة بالتنشئة الإجتماعية التي يتلقاها الأفراد .
موقف فرويد : إن مفهوم الذات الواعية الذي ظهر مع الفلسفة العقلانية والقيمة السامية التي كان يتمتع بها الفرد ،قد تعرضت لبعض الهزات سواء من داخل ميدان الفلسفة ( نيتشه وماركس ) أو داخل ميدان العلوم الإنسانية .
إن التوجه الجديد الذي دشنه فرويد في علم النفس ،أي مدرسة التحليل النفسي ، ستعتبر أن البناء النفسي للشخص يتوزع على ثلاث مكونات أساسية تشكل كيان الفرد وهذه المكونات هي : الهـو ،الأنـا والأنـا الأعلى .
الهـو : وهو يمثل الجانب الفطري الغريزي في الإنسان ،أي الحيز اللاشعوري اللاواعي ،وهو قائم على مبدأ اللذة ،ويعتبر اللاشعور الدافع والمحرك لكل السلوكات الإنسانية .
الأنـا : وهو يمثل الجانب الواعي العاقل في الذات الإنسانية وهو خاضع لمبدأ الواقع .
الأنـا الأعلى : وهو يشكل المنظومة الأخلاقية والقانونية والثقافية التي ينشأ الفرد في كنفها عبر التربية وهي قائمة على مبدأ الضمير ( الضمير الأخلاقي ) .
إن الشخص حسب فرويد خاضع لحتميات سيكولوجية لاشعورية تتمثل في التجاذب والتعارض الحاصل على مستوى هذه المكونات ،فالجانب الفطري الغريزي يسعى دائما وأبدا لتحقيق الإشباع ـ إشباع الرغبات وتحقيق اللذة ـ لكن ضعط الأنـا تحت تأثير سلطة الأنـا الأعلى يحول دون هذا التحقيق فيتم كبت و كبح هذه الميول أو العمل على تحويلها .
فالشخص غير قادر على تلبية الحاجات النفسية لأن الجانب الفطري خاضع لسلطة أخلاقية،قانونية،ثقافية...تحتم عليه الكبت، مما يولد نوعا من القلق والتوتر في حالة عدم الإشباع أو الإحساس بالدونية والذنب في حالة الإشباع .من هنا نخلص إلى أن الشخص من منظور سيكولوجي يكون خاضع لحتمية لاشعورية ،فالحتمية والضرورة طغت على كل الأبحاث التي قامت بها العلوم الإنسانية في دراستها للظاهرة الإنسانية ،حيث نجد السوسيولوجيا(على الإجتماع )أكدت بدورها على الحتمية الإنسانية.
 فالإنسان كائن اجتماعي بالضرورة،إذ لا وجود للإنسان إلا ضمن مجتمع ينتمي إليه،يرتبط فيه أفراده في إطار نسق من العلاقات المتبادلة والثقافة المشتركة،ويطبع كل مجتمع سلوكات أفراده ومواقفهم وعاداتهم وتفكيرهم ...بطابعه الخاص وذلك بواسطة التربية والتنشئة الإجتماعية من حيث هي عملية تكسب الشخص نماذج من القيم والتصورات والكفايات للتصرف والتفكير تستجيب لمتطلبات الحضارة التي ينتمي إليها,فعبر هذه العملية يتم استدماج عناصر الثقافة الاجتماعية من طرف الشخص لتصبح من محددات شخصيته كما يتحقق تكيفه مع محيطه الاجتماعي وضبط انتمائه إليه بتوفير أسباب تكيفه البيولوجي والنفسي والفكري .
أمام هذه الوضعية السالبة لحرية الفرد يمكن التساؤل عن المكانة الحقيقية للشخص في ظل هذه الحتميات،فهل الشخص فعلا مجرد آلة تحركها أيادي وحتميات لاطاقة له بـها ؟ألا يمتلك الإنسان أي هامش من الحرية تمكنه من حرية الإختيار ؟
موقف سارتر: ظهرت الفلسفة الوجودية كرد فعل على الوضعية التي انحدر إلأيها الكائن الإنساني جراء مجموعة من الظروف والعوامل والتي كانت تصب جميعها في الحط من قيمة الإنسان واستغلاله في أبشع الممارسات وفي كل الميادين بدون استثناء .لذلك قامت في محاولة للإلاء من قيمة الإنسان وتخليصه من القيود والأغلال التي كبلت حريته واختياراته،فلا وجود لضرورات أو حتميات تض الإنسان في قوالب جاهزة  .
فالوجودية  لدى  سارتر فلسفة  الدفاع  عن  حرية  الإختيار  المطلق  للإنسان  مقابل النزعة الموضوعية  التي  تبرز  مشروطية  الحرية الإنسانية  بظروف ومحددات وراثية ،إجتماعية ، إقتصادية ،ثقافية ،نفسية ...حيث  يرى  أن  وجود  الإنسان يسبق  ماهيته ،أي  أن  ماهيته لا تتحدد  إلا من  خلال  وجودها ،فهو الذي يحدد حياته  وأفعاله واختيارته  وعلاقاته  الامتناهية ، معنى  ذلك أنه  يشكل  ذاته  وهويته  في  ضوء  مايختاره لنفسه  بوصفه مشروع وجود يحيا ذاتيا .فليس  الإنسان  كما  يتصور  ذاته  فحسب، بل  كما  يريد  أن  يكون  في  نظر  الغير  لوصفه  شخصا  ، ومن  هنا  نفهم  تصريح  سارتر  بأن  الإنسان  مشروع في  سماء  الممكنات  محكوم  عليه  بان  يكون  حرا  وبأن  الإنسان  ليس  شيئا  أخر  غير  ما يصنع  بنفسه .
فالإنسان يوجد أولا ويلاقي ذاته وهو غير حامل لأي صفات أو ماهية قبلية ،إنه في البداية يكون لاشيء ـ أي عدم ـ ثم يشرع في تأسيس ذاته بمقتضى مشيئته وحريته بوصفه مشروعا ،لأنه شخص حر و مسؤول عن أفعاله واختياراته ،فهو حر حرية مطلقة وغير مقيد بموانع أو اكراهات .
نخلص في نهاية هذا المحور إلى أن الحديث عن الحتمية المطلقة تجعل من الشخص مجرد مفعول به لا حرية ولاإرادة لديه ،بل مجرد ألـة تحركها أيادي خارجية ولا يملك من أمره شيء ،وبالمقابل فإن الحديث عن الحرية المطلقة يجعلنا نغفل مجموعة من المحددات الأساسية الداخلة في تكوين هويتنا من قبيل التربية والتنشئة الإجتماعية التي نتلقاها والمنظومة الأخلاقية والثقافية التي نتربى عليها و التي نظل سجيني الحدود التي رسمتها لنا.
وحتى لا نسقط في  هذا الإفراط أوالتفريط، نقول بأن الإنسان كائن واع قادر على تحديد مجموعة من الإختيارات الخاصة المرتبطة به كذات واعية حرة ،لكن وفي نفس الوقت فهو دائم الارتباط ببعض المحددات التي لايمكن الانسلاخ عنها من قبيل التنشئة الاجتماعية والمنطومة الأخلاقية والثقافية والقانونية التي يعيش في ظلها ويحتمي بها من كل ما قد يواجهه 

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More

 
Powered by Blogger